الخطيب الشربيني
419
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
بندقتين من الطين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما فتعجب الملك فقال شمعون للملك : أرأيت إن سألت إلهك يصنع مثل هذا حتى يكون لك الشرف ولآلهتك ؟ فقال الملك : ليس لي عنك سر إن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ، وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل بدخوله ويصلي كثيرا ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم ، ثم قال الملك لهما : إن قدر إلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما قالا : إلهنا قادر على كل شيء فقال الملك : إن هنا ميتا مات منذ سبعة أيام ابن لدهقان وأنا أخرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه ، وكان غائبا فجاؤوا بالميت وقد تغير وأروح فجعلا يدعوان ربهما علانية وجعل شمعون يدعو ربه سرا ، فقام الميت وقال : إني دخلت سبعة أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله تعالى ، ثم قال : فتحت أبواب السماء فرأيت شابا حسنا يشفع لهؤلاء الثلاثة قال الملك : ومن الثلاثة ؟ قال : شمعون وهذان وأشار إلى صاحبيه فتعجب الملك لما علم ، فلما علم شمعون أن قوله أثر في الملك أخبره بالحال ودعاه فآمن الملك وآمن قوم وكفر آخرون ، فمن لم يؤمن صاح عليهم جبريل فهلكوا . وقيل : إن ابنة الملك كانت قد توفيت ودفنت فقال شمعون للملك : اطلب من هذين الرجلين أن يحييا ابنتك فطلب الملك منهما ذلك فقاما وصليا ودعوا الله تعالى وشمعون معهما في السر فأحيا الله تعالى المرأة ، ثم انشق القبر عنها فخرجت وقالت : أسلموا فإنهما صادقان قالت : ولا أظنكم تسلمون ثم طلبت من الرسولين أن يرداها إلى مكانها فذرا ترابا على رأسها فعادت إلى قبرها كما كانت ، وقال ابن إسحاق عن كعب ووهب : بل كفر واجتمع هو وقومه على قتل الرسل فبلغ ذلك حبيبا وهو على باب المدينة بالأقصى ، فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين . قالُوا أي : أهل القرية للرسل ما أَنْتُمْ أي : وإن زاد عددكم إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا لا مزية لكم علينا فما وجه الخصوصية لكم في كونكم رسلا دوننا ، فجعلوا كونهم بشرا مثلهم دليلا على عدم الإرسال ، وهذا عام في المشركين قالوا في حق محمد صلّى اللّه عليه وسلم : أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ ص : 8 ] وقد استوينا في البشرية فلا يمكن الرجحان ، فرد الله عليهم بقوله سبحانه اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ الأنعام : 124 ] وبقوله تعالى : اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ [ الشورى : 13 ] إلى غير ذلك . تنبيه : رفع بشر لانتقاض النفي المقتضي إعمال ما بإلا ثم قالوا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ أي : العام الرحمة ، فعموم رحمته مع استوائنا في عبوديته يقتضي أن يسوي بيننا في الرحمة فلا يخصكم بشيء دوننا ، وأغرقوا في النفي بقولهم مِنْ شَيْءٍ أي : وحي ورسالة إِنْ أي : ما أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ أي : في دعوى رسالة حالا ومآلا . قالُوا أي : الرسل رَبُّنا أي : الذي أحسن إلينا يَعْلَمُ أي : ولهذا يظهر على أيدينا الآيات إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ استشهدوا بعلم الله تعالى وهو يجري مجرى القسم ، وزادوا اللام المؤكدة ؛ لأنه جواب عن إنكارهم . وَما عَلَيْنا أي : وجوبا من قبل من أرسلنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي : المؤيد بالأدلة القطعية من الحجج القولية والفعلية بالمعجزات ، وهي إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الميت وغيرهما . فما كان جوابهم بعد هذا إلا أن : قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا أي : تشاء منا بِكُمْ وذلك أن المطر